وجدته
يقف أمامى بمجرد أن انفتحت عيني بعد نوم تشوبه أصوات الناس و ضربات القطار
على القضيب و التي كانت تعلن عن وجودها حتى فى حلمي. كان ينظر إلى لا أعرف
إن كان فى إعجاب أم استغراب، كان يتفحصني من أخمض قدمي حتى قمة رأسي مما
جعلني أعدل من جلستي و كأنني فى حضرة إحدى الشخصيات الهامة. و رغما عنى
تفحصته أنا الأخرى.
كانت
ساقيه رفعتين كعودين منتصبين من جذوع شجرة لم يتم رويها لسنين، يظهران فى
يأس من الشورت الذى يرتديه و الذى رسم عليه علم كبير لدولة كبيرة تفصح عن
وجودها بألوانها الصاخبة. فما العجب في ذلك، إنها أكبر دولة قامت بإحتلالنا
فكريا و نفسيا و اقتصاديا..و لإنعاش ذاكرتنا دائما قررت أن تتواجد فى أدق
تفاصيل حياتنا.. حتى على ملابسنا. المهم نظرت إلى أعلى ووجدت عينين غائرتين
ينمان عن فقر شديد و براءة شديدة و رغبه فى الإنطلاق من هذا العالم الضيق
الفقير الذى يحاول أن يتشبس به معلنا عن نفسه دون خذى و ظاهرا فى ملبسه و
ربما فى كل تعابير وجهه!!
كان
ولدا صغيرا لا يتجاوز عمره ال9 سنوات، و لكنه لفت نظرى أكثر من أى رجل
ناضج إلتفت إلى أو ربما أعجب بى فى هذا القطار. نظرتى الطويلة المتفحصة
أربكته بشكل واضح مما جعلة عينيه تربش فى حركة لا إراديه من شدة خجله. و
لتخطى الموقف أو ربما ليتخطاني حاول الانشغال بشئ آخر فأخذ ينظر إلى
الحقائب الموضوعه فى القطار و يتلفت إلى الناس متاملا وجوههم محاوله منه فى
نسيانى للحظات. و بالفعل غاب عنى للحظات منشغلا بعالمه السحرى الخاص الملئ
بالأحلام و الأمنيات و ربما بالألعاب التى سيحظى بها عند وصوله إلى المحطة
الأخيرة.
و بينما هو يحاول إختلاس النظر إلى ظهرت على وجهه شبح إبتسامه طفوليه
صغيرة و لكن سرعان ما إختفت بعد أن إستمع إلى حديث والده و الذى كان منشغلا
بحديث مهموم مع إحدى الركاب.. عن غلاء الأسعار و المشاكل التى تواجهه و
آماله التى ضاعت فى بلد لا أمل فيه. فالأب كانت بشرته تطفو عليها سمرة
غريبه، سمره غير طبيعيه..سمرة الفقر-أو ربما سمرة زيت التموين. زيت
التموين الذى قرر أن يذكرهم بوجوده ليس فقط فى لقمة العيش بل و زحف أيضا
على بشرتهم معلنا تخلله كل خلايا جسدهم حتى تميزهم الدولة دون غيرهم، فما
الحاجة لبطاقات التموين إذا كانت بشرتهم المصبوغة تفضحهم و تعلن عن تمكن
الفقر منهم؟! فهم مثل أى شئ فى مصر...ملوثا و مشوها و مسودا.
و
رغم إنشغالى بتفحصه هو و أهله و الذى بث نوعا من الإحباط فى داخلى، إلا
إننى لسبب غريب أحسست برجوعى إلى الطفولة و كأننى طفلة صغيرة تستدرج طفل
آخر و تود اللعب معه. حاولت خطف لحظات من عالمه الذى طالما حنيت إليه. ها
هو ينتصب فى جلسته و شبك يده و بدأ فى إختلاس النظر إلى. و للحظات أحسست
إنه خطفني إلى عالمه الطفولى و لكن مع الأسف نظراتى المتفحصه انتزعت منه
هو الأخر طفولته و رغما عنه بدا عليه علامات شاب ناضج و كأنه يحاول غزو
عالمى بكل ما يحمله من نضوج.
و
أنا فى المقابل احاول أن أخطف بعض لحظات من الطفولة التى طالما إشتقت
إليها. فربما بابتسامه منى يرجع إلى عالمه و يجذبني أنا الأخرى و لو لبعض
لحظات، و لكن هيهات فلقد قرر أن يعاملنى بجفاء شديد كأى رجل ناضج ينظر إلى
إمرأة فى توجس. فرجوته بعينى أن يعود إلى طبيعته..إلى طفولته البريئة و
التى أحاول أن أنعم ببعض لحظات منها من خلاله و لكنه لم يستطع و كأن الزمن
يعاندنى من خلاله. و الأدهى من ذلك إنه بدأ يتفحصنى كأى شاب ناضج فى ريعان
شبابه يحاول أن يكتشف هذا العالم الآخر الذى لا يعرفه. و رغم نظراته الحاده
و التى كادت أن تخترقنى إلا إننى لم أشعر بأى غضب أو حتى شعور بالمهانه
ربما لأننى فى المقابل أريد منه شيئا أيضا...إسترداد طفولتى التى سلبها
الزمن.
وأخيرا
نظر و لكنه مع الأسف لم يكن ينظر إلى بل ينظرإلى صورتى التى تعكسها مرايا
الشباك فى صمت و صمود و كأنه يتحدى إنوثتى بطفولته..يسخر من الزمن و
منى...من هيئتى و من عمرى...من زمنى و إختلافه عن زمنه.
و فى عتمه الليل لم أجد إلا أنا...فسخرت من نفسى و محاولتى من تحدى الزمن و الرجوع إلى طفولتى و لو حتى بروحى.
و لكنه أخيرا رجع و إختلطت أحاسيسى بين الفرح العارم لرجوعه و معاتبته لتأخره كل هذا الزمن..
نظر
إلى مجددا و عينيه يملأها الكثير من الكلام بل اللعب و اللهو يشعان من كل
خلايا جسمه..إحساسه لم أعهده من زمن. و بحركة غريبه إقترب منى و نظر إلى
قدمى فإستغربت و خاصة إنها المرة الثانية التى ينظر إلى بنفس الطريقة و
بنفس الإهتمام بعينين تلمعان و بفضول شديد.
و
لم اتمالك نفسى و نظرت فى نفس الإتجاه و هنا رأيت ما كان يبحث عنه و عن
إهتمامه الشديد بى. لقد كانت لعبته صينية المنشأ بألونها المبتذلة و التى
كانت عبارة عن جندى لا تشوبه أى معالم مصرية يحمل علم مصر عاليا راقده تحت
قدمى مباشرة. إلتقطها و أنا أسخر من شكل اللعبه و من نفسى. و بحركة سريعة
أعدت له لعبته و طفولته و التى لم يكن تخلى عنها و فى نفس الوقت لطمنى
الزمن لأستفيق..لإسترجع عمرى و إنوثتى دون شكوى أو عتاب.
و ضحك هو لإنتصاره و حصوله على لعبته و ملاذه و ضحكت أنا لإنتصارى على
الزمن..فلقد إختطفت من الزمن بعض لحظات طفولتى التى نهبها. فالزمن يقاس
بالنفس، بالضحكة، بالنظرة أو حتى بالذكرى.



